ست العجم بنت النفيس البغدادية
377
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية
ظاهر الكثرة ولا إلى وجود الثنوية فإن الأصل أحدية الوجود ، ولهذا أمره بالنظر إلى ما غاب في الكثرة « 1 » مشيرا إلى واحدية القطب وهو المعبّر عنه في الظاهر بالمحور . وقوله : ( وحينئذ تقول ما شئت إن شئت اثنين وإن شئت واحدا ) يشير به إلى وقوفه على الأحدية عيانا واتصافا فإذا حصل هذا الاتصاف له وعاد كاملا عاد مخبرا بمشيئته إن قال اثنان أشار إلى صفاته المتكثرة ، لأن الثنوية لازمة للتقييد ، وإن قال واحدا أشار إلى صورته الواحدية المتصفة بالذات الأحدية ، لأن الكمال عبارة عن الاتصاف بأوصاف الذات بعد الفناء فيها وهذا مما حصل له قبل الكمال . ( ص ) [ قوله : ( وفي ارتباط اللام بالألف سر لا ينكشف أودعته في قولي وهو : اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ [ الرعد : 2 ] . ( ش ) أقول : إنه عاد إلى أول المشهد عود استدارة وهو عطف الآخر على الأول وهذا خصوص بهذا المشهد فلما افتتح في أوله متمثلا في ارتباط العبودية بالأحدية بلام الألف ، وأراد الاستدارة لهذا الشهود فعاد إلى ذكر لام الألف مختتما به كما افتتح أولا ، وهذا راجع إلى صيغة الترتيب لأجل قصد إخفائه ، ونحن حذونا حذوه في كتمانه دون سائر كلمات الشهود ، فإنني لم أخف شيئا علم اللّه تعالى سوى هذا الأمر . فقوله : ( سر لا ينكشف ) يريد به حقيقة الاتحاد بين اسم الرب والعبد ووقوف كل منهما على الآخر ، فإن هذا الاتحاد من غوامض الأسرار ، وقد أشار إليه الإمام الأوحد العارف الكامل سهل بن عبد اللّه التستري بقوله : « إن للربوبية سرا إذا ظهر يطلب الربوبية » . وقد ذكرنا هذا الكلام عنه في عدة مواضع من هذا الكتاب لأجل مناسبته بها وكل منهما رحمهما اللّه يشير إلى الاتحاد بين الرب والعبد كما أخفي حقيقة العمد عند رأي الناظرين في السماوات وهو عين الاتحاد الذي هاهنا ، لأن إخفاءه عين اتحاده كما أن الارتباط في لام الألف حقيقة الاتحاد فلو ظهر العمد للناظرين ظهرت واحدية الوجود لكل من نظر فيه ، ولم يبقى للواحد المنفرد سر يختص به وإلى هذا السر هو اتحاد العمد أشار ابن عباس رضي اللّه عنه بقوله : لو فسرت لكم قوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ [ الطلاق : 12 ] ، لرجمتموني . أو قال : لقلتم : إني كافر . فجعله رضي اللّه عنه بمنزلة السبيل ضرورة لتنزل الأمر . * * *
--> ( 1 ) فوجود الحق في الوجود ، وإنما يختلف عند الواجد بحكم الأسماء الإلهية ، وبحكم الاستعدادات الكونية في كل نفس إلى لا غاية .